قالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"
إِنَّ اللَّه قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّب إليَّ بِالنَوَافِلِ حَتَى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ."رواه البخاري.
الشرح :
قَالَ الإمَامُ المناوي في فيض القدير:
( إن الله تعالى قَالَ: مَن عادى )
من المعاداة ضد الموالاة ( لي ) متعلِّق بقوله ( ولياً ) وهو من تولَّى الله بالطاعة فتولاه الله بالحفظ والنصر، فالوليُ هنا القريب من الله باتِباع أمره وتجنُّب نهيه وإكثار النفل مع كونه لا يفتُر عن ذِكْرِه ولا يرى بقلبه سواه ( فقد آذنته بالحرب ) أي أعلمته بأني سأحاربه فإنْ لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ومَن حاربه الله أي عامله معاملة المحارب، من التجلِّي عليه بمظاهر القهر والجلال، وهذا في الغاية القصوى من التهديد، والمراد: من عادى ولياً لأجل ولايته، لا مطلقاً، فخرج نحو محاكمته لخلاص حق أو كشف غامض.وقَالَ الإمَامُ المناوي:
وقوله
( وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء ) أي بفعل طاعة ( أحب إليَّ مما افترضه عليه ) أي من آدابه عيناً أو كفاية لأنها الأصل الذي ترجع إليه جميع الفروع، والأمر بها جازم يتضمن أمرين: الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، فالفرض كالأساس والنفل كالبناء عليه ( ولا يزال عبدي ) الإضافة للتشريف ( يَتَقَرَّب ) وفي رواية يتحبَّب ( إليَّ بالنوافل ) أي التطوع من جميع صنوف العبادة ( حتى أحبه ) بضم أوَّله وفتح ثالثه ( فإذا أحببته ) لتقرُّبه إليَّ بما ذكر حتى امتلأ قلبه بنور معرفتي ( كنت ) أي صرت ( سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ) يعني يجعل الله سلطان حبه غالباً حتى لا يرى ولا يسمع ولا يفعل إلا مَا يحبه الله عوناً له على حماية هذه الجوارح عما لا يرضاه، أو هو كناية عن نصرة الله وتأييده وإعانته له في كل أموره، وحماية سمعه وبصره وسائر جوارحه عما لا يرضاه.وقَالَ الإمَامُ المناوي:
والحاصل أن من تَقَرَّبَ إليه بالفرض ثم النفل قرَّبه، فَرَقَّاه من درجة الإيمان مقام الإحسان، حتى يصير مَا في قلبه من المعرفة يشاهده بعين بصيرته، وامتلاء القلب بمعرفته يمحي كل مَا سواه، فلا ينطق إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإنْ نظر فيه أو سمع فيه أو بطش فيه وهذا هو كمال التوحيد.
وقَالَ الإمَامُ ابن حجر في فتح الباري:
وقد استُشكِلَ كيف يكون الباري جلَّ وعلا سَمْعَ العبد وبَصَرَه إلخ ؟ والجواب من أوجهٍ:
أحدها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
ثانيها: أن المعنى كليته مشغولةٌ بي فلا يُصغِي بسمعه إلا إلى مَا يُرضِيني، ولا يرى ببصره إلا مَا أمرته به.
ثالثها: المعنى أُحَصِّل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره . . إلخ.
رابعها: كنت له في النُصرَة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.
خامسها: قَالَ الفاكهاني وسبقه إلى معناه ابن هبيرة: هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير كنتُ حافِظَ سَمْعِه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا مَا يَحُلُّ استماعه، وحافظَ بَصَرِه كذلك إلخ.
وقَالَ الإمَامُ ابن حجر:
قَالَ بعضهم: لا يتحرك له جارحةٌ إلا في الله ولله، فهي كلها تعمل بالحق للحق.
وقَالَ الإمَامُ المناوي في فيض القدير:
وقوله
( وإن سألني لأعطينه ) مسؤوله، أي مسألته، كما وقع لكثير من السلف (لأعيذنه) مما يخاف، وهذا حال المحب مع محبوبه، وفي وعده المحقق المؤكَّد بالقسم إيذانٌ بأن من تَقَرَّبَ بما مرَّ لا يُرَدُّ دعاؤه.وقوله تعالى
( وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس المؤمن) أي مَا أخَّرْتُ وما توقَفت توقف المتردد في أمرٍ أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن، أتوقَف عليه حتى يسهُلَ عليه ويميلَ قلبه إليه، شوقاً إلى انخراطه في سلك المقربين، والتبوُّىء في أعلا عِلِّيين، أو أراد بلفظ التردد إزالة كراهة الموت عن المؤمن بما يُبتَلَي به من نحو مرض وفقر.وقوله
( يكره الموت ) لصعوبته وشدته ومرارته، وشدة ائتلاف روحه لجسده وتعلُّقها به، ولعدم معرفته بما هو صائرٌ إليه بعده (وأنا أكره مساءته) وأريده له لأنه يورده موارد الرحمة والغفران والتلذُّذ بنعيم الجنان.فالمراد: مَا رددت شيئاً بعد شيء مما أريد أن أفعله بعبدي كتردُّدي في إزالة كراهة الموت عنه بأن يُورِد عليه حوادثَ يسأم معها الحياة ويتمنى الموت.